الثانوية الاعدادية ابن العريف مراكش


عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Aa10


دخول

لقد نسيت كلمة السر

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 4236 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو ismailajray فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 32000 مساهمة في هذا المنتدى في 7320 موضوع
المواضيع الأخيرة
» امتحانات جهوية للسنة الثالثة اعدادي
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الأربعاء مايو 18, 2016 2:16 am من طرف RACHID

» برامج منوعة لتعليم الاطفال
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الخميس مايو 28, 2015 3:14 pm من طرف RACHID

» les composantes d'un ordinateur
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الأربعاء مايو 27, 2015 4:24 am من طرف RACHID

» برنامج crocodile clips بالنسبة لمادة الفيزياء و التكنولوجيا
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الإثنين مايو 25, 2015 2:15 pm من طرف RACHID

» برامج تعليمية للاطفال
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الإثنين مايو 18, 2015 2:58 pm من طرف RACHID

» امتحانات جهوية لمادة اللغة العربية 2014 مع التصحيح
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الإثنين مايو 18, 2015 9:21 am من طرف RACHID

» امتحانات جهوية لمادة اللغة الفرنسية 2014 مع التصحيح
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الأحد مايو 17, 2015 2:20 pm من طرف RACHID

» موقع يحتوي على مجموعة من الامتحانات الجهوية للتحميل مع التصحييح
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1الأحد مايو 17, 2015 6:23 am من طرف RACHID

» un lien très intéressant pour les enseignants de français
حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Icon_minitime1السبت سبتمبر 20, 2014 10:57 am من طرف redha

و اجني الارباح
COUR RESEAU

TP0
*********
l'opinion
*********
TP2
*********
TP3
*********
aujourd hui le maroc
*********
TP5
*********
TP5
*********
TP5
*********

فيديو تعليمي
*********************

الألة الحاسبة الإلكترونية

الة حاسبة

*************************
اعلان
عدد الزوار
*****************
مكتبة الصور


حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Empty
ERMAIL
ربح المال
PaidVerts

حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية

اذهب الى الأسفل

حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Empty حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد نوفمبر 22, 2009 1:53 pm

الحقوق والحريات المدنية والسياسية في الإسلام الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
تمهيد

دأب كثير من الباحثين والمؤلفين على إصدار المقالات والمؤلفات التي تتضمن بيان حقوق الإنسان في الإسلام، وتأصيلها فقهيـاً. وربما عقد كثير منهم مقارنات مسهبة بين هذه الحقوق الإنسانية كما رسمها الإسلام، ونظائرها لدى الدول والمجتمعات الديمقراطية الحديثة، منذ الثورة الفرنسية إلى يومنا هذا، ليؤكدوا أصالة هذه الحقوق في الشريعة الإسلامية، وأن الإسلام هو أول من قرر المبادىء الخاصة بحقوق الإنسان، ولعلّ من أبرز ما ظهر إلى اليوم في هذا المجال، ما أصدرته منظمة المؤتمر الإسلامي وأعلنته على العالم، صكـًا تفصيليـًا لحقوق الإنسان في الإسلام، بعد أن نوقشت مسّودته من قبل أكثر ممثلي الدول الإسلامية قبل عشر سنوات تقريباً.

غير أن شيئـًا من هذه الكتابات والدرسات المقارنة، لم يُنه الجدل الذي تطاول أمده بين المسلمين وغيرهم، ولم يقطع دابر الاتهامات التي ما زالت توجه من قبل الغربيين إلى الإسلام أو المجتمعات الإسلامية في هذا المجال. كما أن هذا الجدل لم يحلّ إلى الآن مشكلة شكلية هذه الحقوق في المجتمعات الغربية التي تنعت بالديمقراطية، ومشكلة استخدامها مجرد سلاح فعال متميز في ساحة الخصومات وفي مجال الحروب الباردة.

فما السبب في أن شيئا من هذه البحوث والدراسات والمناقشات، لم يحقق أيَّا من آثارها المرتقبة ؟

السبب في ذلك أن هذه الدراسات والبحوث الجدلية المقارنة، اتجهت إلى عقد مقارنات بين أسماء هذه الحقوق وشعاراتها المعلنة، هنا وهناك. فقورن مثلاً حق الحرية الذي تنادي به المجتمعات الغربية، مع هذا الحق ذاته في الإسلام، وقورن حق المساواة في تلك المجتمعات بهذا الحق ذاته في الإسلام، دون الرجوع إلى دراسة المنطلقات والعوامل الدافعة إلى رسم كل من هذين الحقين وتثبيته في كل من الشريعة الإسلامية والنظم الديمقراطية في الغرب.

ومن المعلوم أن التنافس في ساحة إعلان الشعرات والتفنن في صقلها والدفاع عنها، سعي لا نهاية له ولا طائل من ورائه. وما أكثر ما تخفي هذه الشعارات نقائضها، بل تقوم بدور المحاماة عنها، دون أن تملك هذه الدراسة السطحية، أي تجاوز إلى ما وراء هذا المظهر أو السطح.

ما الرجوع إلى دراسة المنطلقات الخفية والعوامل الدافعة، فذاك هو الذي يكشف فرقاً ما بين الأصيل والزيف، ويميز ما بين الشرعة التي تقدس حقوق الإنسان والأنظمة التي تستخدم وتستغل هذه الحقوق.

مصدر الحقوق الإنسانية في الإسلام

يحسب كثير من الناس أن حقوق الإنسان في الإسلام، إنما تم رسمها وبيانها فـي المـصادر الفقـهية وبفضل اجتهادات الفقهاء. فهي حصيلة اجتهاداتهم إن لم نقل : إنها ثمرة آرائهم. غير أن الحقيقة ليست كذلك. فالإذعان بما للإنسان من حقوق في هذه الحياة الدنيا، جزء لا يتجزء من العقائد الإسلامية التي تتكون منها بينة الإسلام ومعناه. إنها يقين واعتقاد قبل أن تكون ممارسة فقهية أو سلوكاً أخلاقياً.

هذا على حين أن حقوق الإنسان في الأنظمة الغربية تابعة لمصالحها السياسيـة، وليست ـ في واقعها المُمارس ـ أثرًا من آثار رؤيتها الإنسانية. ولذا فإن مقياس هذه الحقوق لديها يخضع لمرونة عجيبة لا يكاد العقل الإنساني قادراً على اللحاق بها فضلاً عن تفهمها وهضمها. وإنما الذّي يستطيع أن يسعى لاهثـًا وراء هذه المرونة، هو الفكر أو التكتيك السياسي، فهو وحده الذي يدرك مثلاً سر انحباس الديمقراطية الأمريكية فيما بين الكونغرس والبيت الأبيض، وهو الذي يدرك معنى هيمنة حق الفيتو على قدسية الحقوق الإنسانية في العالم !.. إن المصالح الغربية هي المقياس والمِقيسُ، وهي الميزان والموزون. ولما كان اللعب بورقة حقوق الإنسان جزءًا من هذه المصالح، فقد كان لا بد أن يرتفع منها شعار يعلو إلى سدة هذه المصالح ذاتها، ثم لا يتجاوزها.

غير أنا لسنا هنا بصدد عقد أي مقارنة تفصيلية بين منطلقات الحقوق الإنسانية في الإسلام ومنطلقاتها في الأنظمة الغربية.. فلنعد إلى الخطوط عريضة لمصادر حقوق الإنسان في الإسلام :

أولاً : عبودية الإنسان لله :

من المعلوم أن مدار العقائد الإسلامية على ترسيخ حقيقة عبودية الإنسان لله، في يقين كل مسلم. والعبودية لله هي الأثر الأول من آثار مالكية الله تعالى للإنسان، وهي تعني منتهى الذل والدينونة لسلطان الله وحكمه.

وكثيرون هم الذين يتصورن أن بين الاصطباغ بمعاني هذه العبودية، وبين استقرار الحقوق الإنسانية وممارسة الناس لها، تقاطعـًا بل تناقضـًا حادًّا يستعصي على الجمع والتوفيق. والحقيقة أن العبودية بمعناها الساري بين الناس بعضهم مع بعض، تتعارض فعلاً مع أي حق يمكن أن يتمتع به الإنسان. أما عبودية الإنسان لله وحده، فلها شأن آخر.

إن الحقوق التي فطر الله الإنسان على الاحتياج إليها، لا يتربّصُ بها إلا عدوّ واحد، هو استعباد الإنسان لأخيه الإنسان. وما تمزق شيء من هذه الحقوق أو جرّد منها أصحابها في أي حقبة من التاريخ إلا من جراء استعباد الإنسان للإنسان. وليس من شرط الاستعباد وسوء آثاره أن لا يعبّر عنه إلا بألفاظ الاستعباد. فمــا أكثر ما شقيت شعوب وأمم تحت نير العبودية للطغاة والمستكبرين، دون أن تدور كلمة العبودية أو أي من اشتقاقاتها على ألسنة الطغاة المستعبدين أو الأذلاء المستعبدين. بل الشأن المعروف في التاريخ أنه كلما ازدادت الحضارة رسوخـًا وتألقـًا في حياة الشعوب أو الدول ذات التوجه المادي، ازدادت كلمة "العبودية" و"الاستعباد" اختفاء وبعدًا عن ألسنتهم، وازدادت معانيها ومضموناتها حضورًا في حياتهم وسلوكاتهم، تحت أسماء مصطلحات حضارية خادعة لا عهد للناس بها من قبل.

فما الذي يعصم الشعوب والجماعات الإنسانية من حقيقة المهانة واستعبادهم بعضهم بعضـًا، بصرف النظر عن المتاجرة والمخادعة بالألفاظ والعناوين الكاذبة ؟

لقد ثبت بالمنطق العلمي ومن خلال التجربة التاريخية أن تحرر الإنسان من سطوة أخيه الإنسان، لا يستنبت إلا في تربة العبودية الصادقة لله عز وجل. بل لقد ثبت أن حرية الإنسان هي الوجه الثاني لعبودية الله.. ذلك لأن الإنسان عندما يستقين أنه عبد مملوك لله وحده، يدرك في اللحظة ذاتها أن لا سلطان لأحد غير الله عليه.. وسرعان ما يثمر هذا اليقين في حياته سلوكين اثنين :

أولهما : البعد عن ظلم الناس والاستعلاء عليهم، مهما تفتحت أمامه إلى ذلك الوسائل والأسباب. ذلك لأن من عرف نفسه عبداً مملوكاً، أبعد ما يكون عن التعلق بهذه الرغبات.

ثانيهما : الترفع عن الذل والمهانة لأنداده من الناس أياً كانوا ومهما بلغت مراتبهم وتزايدت قواهم. إذ إن الذي عرف نفسه عبداً لقيوم السماوات والأرض وحده، لا يمكن أن يذلّ أو يهون لأي من يحاول أن يستعبده أو أن يطغى عليه.

وقد عبّر عن هذا قول الله عز وجل خطاباً لرسوله : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }(1).

ولعلّ في هذا ما ينبه إلى الحكمة من تكليف الله عباده بمعرفته وبالدينونة الكاملة لحكمه وسلطانه، إن الحكمة هي أن الأسرة الإنسانية لن يكف أفرادها عن التهارج واتباع مسالك التعالي والاستغلال والاستعباد بعضهم ضدّ بعض، إلا إن دانوا بالعبودية ومن ثم بالولاء والبرّ لربهم ومالكهم جميعاً، وهو الله عز وجل. وإنك لتلاحظ مصغراً من هذه الحقيقة في علاقة أفراد أي أسرة داخل منزل ما بربّها. إنهم لن يكفوا عن التهارج والتظالم إلا إن ساد فيهم جميعاً الولاء والبر لأبيهم أولوليهم الكبير الذي إليه إدارة أمورهم ورعاية شؤونهم.

وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة التلازم هذه، في قوله، في نهاية حديث مشهور ومعروف >.. وكونوا عباد الله إخواناً< فقد ربط بين العبودية لله وأداء حقوق الأخوة، بهذه العبارة الجامعة البليغة وهي تعلن بأن حقوق الأخوة لا تؤدّى إلا في ظل العبودية لله، وبأن صدق العبودية له لا بد أن يثمر الوفاء بحقوق هذه الأخوة بين الناس.

ثانياً : تكريم الله للإنسان :

من المبادئ الاعتقادية التي لا يتكامل من دونها إسلام المسلم، الجزم بأن الإنسان من حيث هو إنسان، مكرّم عند الله عز وجل وأنه أفضل مخلوق على وجه الأرض ـ مع خلاف في أفضليته على الملائكة ـ.

ومصدر ضرورة هذا الاعتقاد قول الله عز وجل { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً }(2).

ومن الواضح أن هذا التكريم لا يترجم إلا برعاية حقوقه التي فطره الله عليها وأحوجه إليها. فتكريم الإنسان ليس شيئاً أكثر من رعاية حقوقه. ورعاية حقوقه ليس أكثر من تيسير السبيل الكريمة إلى احتياجاته ومصالحه التي أقامه الله عليها.

إن الإنسان يُنظر إليه من خلال عقائد الإسلام التي هي في جملتها تعريف بحقيقة الكون والإنسان والحياة، على أنه خليفة الله في الأرض، المنوطُ به من قبل الله مسؤولية عمارة الأرض بمعناها الحضاري الشامل. وسبيل نهوضه بذلك ما سخّر له من المكونات المحيطة به، والحقوقُ التي ينبغي أن يمتّع بها، كالحرية بأنواعها وكالمساواة بينه وبين بني جنسه في سائر الحقوق والواجبات، وغير ذلك مما هو مكرر ومعروف من حقوق الإنسان في الإسلام. وليس للفقه الإسلامي في ذلك إلا دور الصياغة وترتيب الأحكام ضمن سلّم الأولويات.

ثالثاً : الانضباط بسلطان المصالح وسلّم الأولويات فيها :

كما أن العقيدة في الإسلام تدورعلى محور عبودية الإنسان لله، فإن الشريعة فيها تدورعلى محور المصالح التي متع الله بها الإنسان.

ولكـن مـــا هي العلاقة السارية بين الحقوق الإنسانية المنبثقة من عقــائد الإســلام، والمصالح الإنسانية المنبثقة من أحكام الشريعة الإسلاميـة ؟ بل ما هـو الفرق بينهما ؟ والجواب أن سلطان الحقوق الإنسانية في الإسلام سلطان اعتقادي كما قد أوضحنا.. وهو الوجه الثاني لمعنى إذعان الإنسان لعبوديته لله. أما المصالح الإنسانية المرسومة في أحكام الشريعة الإسلامية، فهي في مجموعها ليست أكثر من ترجمة تفصيلية لتلك الحقوق، وخطة تنفيذية لإبرازها على صعيد الواقع في حياة الإنسان.

ولقد قرر علماء الشريعة الإسلامية اعتماداً على استقرائهم لنصوص القرآن والسـنة أن رعـاية المصـالح الإنسـانية الخادمة لتلك الحقوق لا تعد والمصالح التالية : مصلحة الدين، ثم الحياة، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال. على أن يراعى فيها هذا الترتيــب. والكلمــة الجامعــة لهذه المصالــح كلهــــا طبق هذا الترتيب، هي "العدل" إذ هي لا يمكن أن تدل عـلى أكثر من رعاية هذه المصالح طبق هذا الترتيب. والآية الجامعة لهذا المعنى هي قول الله عزوجل { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي }(3).

إذن فرعاية الحقوق الإنسانية على النهج الذي يضمن لها التناسق ويحميها من آفات التناقض والتصادم، لا يمكن أن تتم إلا بعد الرجوع إلى رعاية ميزان هذه المصالح، طبق ما هو مرعي من سلّم الأولويات في ترتيبها وطبق ما هو مقرر من درجات الحاجة إلى كل منها، من حيث الضرورة القصوى أو الحاجة الأساسية أو الأفضلية التحسينية، وكل ذلك مبين ومحدد في أحكام الشريعة الإسلامية.

إن حق الحياة، مثلاً، يجب التغاضي عنه عندما يتصادم مع الضروري الذي لا بدّ منه من مصلحة الدين. ولذا شرع الله الجهاد الذي ينطوي على ألوان من التضحية بالحياة في سبيل درء الأخطار المحدقة بضروريات الدين.

وحق الحرية من تحسينيات حق الحياة. فإذا تعارض مع ضروري من ضروريات هذا الحق ذاته، أوتعارض مع ضروري من ضروريات مصلحة العقل أوالمال مثلاً، وجب حجز حق الحرية عندئذ،حماية للحق الأهم والأكثر ضرورة. إن الحرية التي تتربص بحياة البرآء وتهددها، أو التي تعود ممارستها بالضرر على عـقول الـناس أو تبـديد ممـتلكاتهم، أو تتناقض مع مصلحة الدين وحمايته، لا تعتبر ـ والحالة هذه ـ حقاً ممتلكاًً أو مشروعاً لصَاحبه، ومن ثم يجب حجز هذا الحق عنه، حماية لهذا الحق ذاته في مستواه الأكثر أهمية، أوحماية لمصلحة إنسانية تعود إلى حماية حق آخر أسبق منه في سلّم الأولويات(4).

مصادر حقوق الإنسان هي الضمانة لرعايتها وحسن تنفيذها

قلنا في صدر هذا البحث : إن ضرورة الإذعان لما رسمه الإسلام للإنسان من حقوق،جزء لا يتجزأ من العقائد الإسلامية. وليست ثمرة لما قد انتهى إليه الفقهاء من اجتهادات وأحكام.

وقد نبهتنا هذه الحقيقة إلى أن رعاية حقوق الإنسان في الإسلام ضرورة استراتيجية دائمة لا تخضع لأي تضحية أو تجاوز.

ولعل هذا ينبهنا إلى الضمانة التي تعدّ الحارس الأمين لرعاية هذه الحقوق على صعيد الواقع التنفيذي. إن الضمانة الأولى لازدهارها وجعلها واقعاً مطبقاً وقوانين مقدسة ومنفذة، هي أن تظل مكلوءة بحمى العقيدة الإسلامية، الحية الفاعلة، لا التقليدية الجامدة،وأن تكرون الأنشطة السياسية خادمة لسلطان هذه العقيدة، بدلاً من العكس.

ولا أتصور أن هذه الحقيقة التي أوضحتها، تخضع لأي خلاف مذهبي بين المسلمين. فهي من النقاط الهامة التي تشكل جامعاً مشتركاً بينها، وليست من الجزئىات الخلافية التي قد تتصادم الأفكار المذهبية حولها.

هذا وإن التفاتة سريعة إلى تاريخ الحضارة الإسلامية، وواقع الحقوق الإنسانية في ظل هيمنة العقيدة الإسلامية وآثارها المتمثلة في الأنظمة والحكم، تبرز لنا خير شاهد على فاعلية هذه الضمانة التي جعلت الحقوق الإنسانية كلها مكلوءة بأمنع حصن.

والمشكلة التي تحول اليوم دون توظيف هذه الضمانة، لا تتمثل في تقصيريعاني من واقع محيطنا العربي والإسلامي . ذلك لأن الحوافز الإنسانية في هذا المحيط لا تزال مكلوءة بقدر كبير من سلطان الإيمان بالله ودوافع الإذعان لعبودية الإنسان عز وجل. وإنما تتمثل المشكلة في نوع العلاقة السارية بين محيطنا العربي والإسلامي هذا. وواقع المجتمعات الغربية ذات الهيمنة السياسية وذات التفــوق العلمي والحضاري !..

مصدر حقوق الإنسان في الغرب، والبحث عن ضمانة تنفيذها

الحديث عن حقوق الإنسان في الغرب أشبه ما يكون بالحديث عن شجرة اجتثت من فوق الأرض، ما لها من قرار.. إن لهذه الحقوق مظهرًا رائعـًا تتبينه على الورق بدءًا من الديباجة التي تنطق بعظيم غيره الجمعية العامة للأمم المتحدة على الحقوق الشخصية والإنسانية أن تنتهك، إلى موادها الثلاثين التي استوعبت هذه الحقوق كلها بأبلغ عبارات الرعاية والتقديس،بدءًا بحق الحرية الإنسانية التي يتمتع بها كل إنسان منذ ساعة ولادته وانتهاء بإعلان أن القانون حيثما وجد ينبغي أن يكون حارسـًا أمينًا على حقوق الإنسان أن تنتهك أو تنتقص !..

ولكن ما هي الجذور الراسخة التي انبثقت عنها وثيقة هذه الحقوق ؟ والتي ستؤول إليها ضمانة تطبيق هــذه الحقـــوق على صعيد الواقع وفي المجتمعات الإنسانية كلها ؟

لا شيء.. فليس ثمة أي جذور مستقرة رساخة، كالجذور التي انبثقت عنها حقوق الإنسان في الإسلام ؛ والجمعية العامة للأمم المتحدة، منذ أن أصدرت وثيقة حقوق الإنسان هذه، كانت ولا تزال محكومة بسلطان السياسة التي كانت تحوكها وتقودها الدول الكبرى، ثم المعسكران الأمريكي والسوفيتي، ثم المعسكر الأمريكي الذي يحلم اليوم بأن تكون إليه قيادة النظام العالمي الجديد.

إذن فإن القيمة العملية لوثيقة حقوق الإنسان التي أصدرتها الأمم المتحدة عام 1948م إنما تتمثل في الرؤى والمصالح السياسية. صحيح أن العامل الأخلاقي من شأنه أن يلعب دورًا كبيرًا في رعاية هذه الحقوق والدفاع عنها، غير أن العامل الأخلاقي نفسه محكوم في هيئة الأمم بسلطان السياسة الذي إليه تعود الكلمة الفاصلة وياللأسف في تلك المجتمعات.

وهكذا فإن بوسعنا أن نتصور أن وثيقة حقوق الإنسان التي يتباهى بها الغرب ويحاول أن يحاكم الناس إليها، أشبه ما تكون بشجرة ذات أغصان كثيفة وغنية، ولكنها منبتة عن جذورها الراسخة التي يفترض أن تبعث فيها الحياة. ومن ثم فليس هناك أي ضمانة يرقى بها إلى مستوى الهيمنة والتنفيذ بعيدًا عن الوقوع في فلك المصالح السياسية العائدة إلى الدول الكبرى بالأمس، والعائدة إلى المصالح الأمريكية اليوم. والتاريخ الحديث للمآسي الإنسانية التي ترزخ تحتها دول العالم الثالث اليوم أعظم شاهد على هذا القول نقول.

كم من نتائج لحرية الرأي صودرت.. وكم من توجهات سياسة في عالمنا العربي والإسلامي شُلَّتْ، وكم من حقوق إنسانية أميتت حيث ذهبت ضحية الفيتو الأمريكي الذي تجمّعت منه مقبرة واسعة كبرى للحقوق الإنسانية المختنقة.

والسبب في ذلك كله أن وثيقة حقوق الإنسان هذه، إنما حيكت بنودها في فراغ، ولم تنبثق من قدسية أي مبدأ يتسامى على مصالح الدول وأهوائها السياسية. في حين أن حقوق الإنسان في الإسلام إنما انبثقت من تلك المبادىء الاعتقادية الراسخة التي لا بّد أن يصطبغ بها كل مسلم أيـًا كان مركزه ومستواه، وأيـًا كان انتماؤه القومي أو العرقي.

ولتفصيل القول، بالقدر الذي تسمح به طبيعة هذه الورقة، في بعض من أهم هذه الحقوق، لا من حيث الشرعة اللفظية النظرية، بل من حيث دافعها التطبيقي خلال تاريخ الحضارة الإسلامية في عهدها الأغر، أي قبل أن تدور رحى الكيد عليها بالتفتيت، ثم بمحاولة التدمير.

حقوق الحرية

وإنما آثرنا التعبير بالحقوق بدلاً من الحق، لأن الحرية جذع تتفرع عنه حقوق شتى، كحق حرية اختيار الملة والمذاهب، وكحق التعبيرعن الرأي، وكحق اختيار النهج السياسي وإيجاد الأنظمة الكفيلة بدعمه وتفوقه.

فما هو موقف الشريعة الإسلامية مما يدعى اليوم بحق الحرية الذي تندرج فيه هذه الفروع وأمثالها ؟ يجب، لكي تُصفّى الإجابة عن شوائب اللبس أن نبدأ فنفرق بين أمرين اثنين :

أولهما علاقة الإنسان بالله عز وجل، من حيث إنه، أي الإنسان، عبد مملوك لله عز وجل مكلف بالنهوض بأحكام وواجبات محددة، لا مناص له من التحرر منها.

ثانيهما علاقة الإنسان بالإنسان في هذه الحياة الدنيا، من حيث النهج الذي رسمه الشارع جل جلاله لهذه العلاقة، وحدود السلطة التي متع الله بها الجماعة الإنسانية الحاكمة في رعاية الأمور وتنفيذ أحكام الله.

أما واقع الإنسان من خلال الأمر الأول، فهو أبعد ما يكون عن الحرية بكل معانيها وفروعها. وكيف يكون الإنسان حرًا في علاقته مع الله وهو عبده الخاضع لحكمه المملوك لذاته ؟.. إنه مكلف أولا بأن يعرف حقيقة هذه العلاقة بربِّه، وهو مكلف ثانيا بأن يلتزم النهج الذي شرعه الله له ولا يحيد عنه جهد استطاعته. وقد وعــده اللــه بالمثوبة إن أطاعه، وتوعده بالعقوبــة إن عصـاه... إذن فالإنسان، في علاقتـه مع ربه، لا يتمتع بأي حريـة، اللهم إلا في الأمــور والتصرفات التي خيره الله فيها.

أما واقع الإنسان من خلال الأمرالثاني ، أي من خلال علاقة الإنسان بالإنسان، فهو يتصف بالحرية التامة، لا يملك أن يضيق عليه منها أحد، اللهم إلا في حدود ما تقتضيه المحافظـــة على حريـــات الآخرين. فهو حــر في اختيار الدين والمذهب، وفي التعبيرعن رأيه وقناعته، وفي إيجاد الهيئات والجماعات ذات الأنشطة الاجتماعية والسياسية.. ولكن لا تنس أنه من حيث الأمر الأول، أي علاقته مع الله، مكلف باعتناق الدين الحق، ممنوع من الخوض في الباطل أيًا كان، تحت طائلة التهديد الرباني بمعاقبته يوم القيامة إن هو أعرض عما قد كلف به، وخاض فيما قد نهي عنه.

وقد يخيل إلى بعضهم أن من المستحيل اجتماع التكليف المتوعد عليه بالعقاب، مع حرية الفعل والترك وتمكين المكلف من اختيار ما يريد. غير أن هذا خيال لاحقيقة له. وبيان ذلك أن التكاليف التي تقرب الإنسان إلى الله عـز وجـل، هـي تلك التي يمارسها بمـلء اختياره وبرغبـة ذاتية منه. وهذا هــو معنى قول رسول الله "ص": "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(5) وهو ما يعّبر عنه صراحة قول الله عز وجل { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. }(6)، وقوله تعالى { فذكر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمصيطر .. }(7).

أما تلك التكاليف التي يجّر الإنسان إليها جرًا، وهو متأفف منها غيرمقتنع بها، فلا يقرِّبه انقياده لها، إلى الله شروى نقير. ولعلك تعلم أن وظيفة الإنسان تجاه ربه في هذه الحياة الدنيا، هي أن يمارس العبودية لله بالطوع والاختيار، كما قد خلق عبدًا له بالقهر والاضطرار.

وهذه الوظيفة لا تتحقق على الوجه المطلوب إلا في مناخ الحريــة التامـة، أي بأن يمارس الناس حرياتهم في اختيار الدين والمذهب، وفي أن يتقيدوا أو لا يتقيدوا بالشرائع التي كلفوا بها، وفي أن يعبرو عن معتقداتهم وآرائهم، بل أن يدافعوا عنها بما يملكون من الحجة والبرهان.. وليس لولي أمر المسلمين ولا للعلماء والدعاة إلى الله إلا التذكرة بالحق والدعوة إليه وعرض الحجج والدلائل الدالة عليه، مع تحذير التائهين عنه من عقاب الله عز وجل.

مزيد من الأدلة على ذلك : من أبرز ما يدل على هذا أيضًا قول الله تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }(Cool. كما يدل عليه تعايش المسلمين مع اليهود في المدينة المنورة في ظل أول دولة إسلامية، يرأسها محمد "ص". وقد نص أحد بنود الدستور الـذي أملاه رسول الل "ص"واعتمده، بعد استقراره في المدينة، على وضع هذا التعايش موضع التنفيذ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : >يهود بني عوف أمة مع المسلمين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"(9).

ويدل عليه أيضاً دخول بني خزاعة، وهم مشركون، في حلف مع المسلمين، يوم صلح الحديبية، ودفاع رسول الله عنهم، على الرغم من شركهم يوم اعتدى عليهم بعض زعماء قريش وبيوتهم بغارة(10) وتدّل عليه وصية أبي بكر رضي الله عنه لسرايا المسلمين إلى المهام التي كلفوا بها : >ألا لا يفتنن يهودي عن يهوديته، ولا نصراني عن نصرانيته<.

كما يدل عليه أن البلاد الكثيرة التي فتحت في عصرالخلافة الراشدة، ودانت للإسلام وحكمه، تُرك أصحاب الديانات الأخرى فيها على حالهم، ولم يكرهم أحد على التخلي عن معتقده ودينه. اللهم إلا ما كانوا يقومون به من واجب الدعوة إلى الحق والتعريف به، وإزالة الشبهات عن طريقه. ولما اتجه الصليبيون بالغزو إلى بلاد الشام، كان عدد النصارى فيها يساوي عدد المسلمين تقريباً، فأرسل قادة الحملة الصليبية إليهم، أي إلى النصاري، يخيرونهم بين الوقوف مع بني دينهم والوقوف مع بني قومهم. فأعلن معظمهم الوقوف مع بني قومهم المسلمين(11).

وقد يرتاب في هذا الذي نقول من يظن بأن الله شرع الجهاد للوقوف في وجه الكفر، ولحمل الناس على اعتناق الدين الحق، وهو الإسلام. غير أن الذي ذهب إليه جمهور المسلمين من ا لحنفية والمالكية والحنابلة ـ وهـو أحــد قولين للإمام الشافعي ـ هــو أن الجهــاد إنما شرع لدرء الحرابة، أي لـردّ عادية الظلــم الـــواقع أو المتوقع على المسلمين، ولتيسير السبيل إلى تعريف الناس بالإسلام ودعوتهم الطوعية إليه(12) وإن الواقع التاريخي الذي أشرنا إلى جزء منه أعظم شاهــد على أن الحق هو ما ذهب إليه الجمهور.

حرية التعبيرعن العقيدة والمذهب

وإذا ثبت أن الإنسان حّر في نطاق التكاليف التي أنيطت به من قبل الله عز وجل، أن يتقيد أو لا يتقيد بها، على نحو ما أسلفنا، أي تحت طائلة العقاب الذي يتعرض له المخالف والمتأبيِّ على تنفيذ هذه التكاليف، يوم القيامة ـ أقول : إذا ثبت هذا، فلا ريب أن الإنسان حُر من باب أولى في التعبير عن مواقفه واتجاهاته التي يراها ويختارها. ذلك لأن من ملك الكثير فلا بد أن يملك القليل الذي هو جزء منه.

وأوضح دليل على ذلك قول الله عز وجل : { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والمـوعظة الحسـنة وجـادلهم بالتـي هـي أحسـن }(13) ومـحل الشـاهد قـوله تعالى : { وجادلهم } إذ المجادلة هـي الإصغاء إلى حجة الخصم ثم الرد عليها بما يوضح بطلانها ويكشف عن زيفها. ومن الواضح أنه لا يتأتى الإصغاء إلى حجج المبطلين، إلا إن مُكِّنوا من النطق بها والتعبير عنها.

ثم إن الآية تؤكد أن القضاء على الباطل لا يتم بتكميم أفواه الداعين إليه والمعّرفين به، ولكنه إنما يتم بالمحاورة العلمية التي تكشف عن وجه بطلانه. وهي لا تتم إلا عندما يتمتع كل من الطرفين ـ المحق والمبطل بحرية التعبير عن رأيه ومعتقده.

ومن الصور التطبيقية لهذا الحكم،الجدل الذي امتد وتطاول ذيله بين رسول الله "ص"، ونصارى نجران الذين وفدوا إلى رسول الله واستقبلهم في مسجده بالمدينة. ومن المعلوم أن كل ذلك سار في جوّ من الحرية التامة، وقد عاد معظمهم كما جاؤوا غير مسلمين(14).

ومن هذه الصور موقف الدولة الإسلامية من الفرق التي ظهرت وتوالدت بعضها من بعض، في أواخر القرن الأول الهجري، وقد كانت كلها فرقاً شاردة عن الحق المتفق مع كتاب الله وهدي رسوله، تعتنق بدعاً باطلة لم تعرف في عهد رسول الله "ص".

فلقد كان أصحاب تلك الفرق يتمتعون بحق التعبير عن مذاهبهم والتدليل عليها، علانية في كل من المسجد الحرام والمسجد النبوي، وفي مساجد البصرة والكوفة، إذ كانا أول مركزين لوجودهم ولأنشطتهم. ولم نعثر فيما كتبه أيّ من المؤرخين على خبر يتضمن أن الرقابة الإسلامية أسكتت هؤلاء الجانحين عن الحق، وحرمتهم من حق التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم(15).

قد تقول : فما الذي أنهى وجود هذه الفرق من جهمية ومرجئة ومعتزلة وحشوية وقدرية.. الخ إذن، ولماذا بادت بعد أن ساد بعض منها ؟

والجواب : أن العامل المباشر في تذويبها وإنهاء وجودها، هو الحوار العلمي الذي كان يلاحق أئمة تلك الفرق علانية في حلقات العلم. وليس العامل في ذلك ما قد يتصوره المتخيلون، من أنه سطوة الحكم التي كانت إلى جانب أهل السنة والجماعة، والتي ربما مارست ألواناً من الضغط والإكراه على الفرق الأخرى. فإن سطوة الحكم لم تمارس أي ضغط على أي من تلك الفرق، باسم جمهرة المسلمين أهل السنة والجماعة.

وعندما ظهر الإكره، إنما ظهر لصالح المعتزلة على يد المأمون فالمعتــصم فالواثق، ودارت رحـى المحنة عندئذ على ثلة من كبار أهل السنة والجماعة، كان على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

ولما ارتفعت المحنة في عهد المتوكل عادت الحياة العلمية والثقافية إلى سابق عهدها، مستظلة بظل الحرية التامة في التعبير عن الرأي والمعتقد، مع ملاحقة المبطلين بالمناقشة والمحاجّة*وكانت عاقبة هذا الأمر أن ذابت أفكار تلك الفرق في ضرام الجدل الذي أمر الله به والتحاكم إلى منهج العلم وقواعده(16).

بقي أن ننبه إلى أمر هو في غاية الأهمية، وهو أن الإسلام بمقدار ما يُمتعِّ الإنسان بحرية التعبير عن المعتقد والرأي، يحذره من أن يجعل سبيه إلى هذا التعبير الإساءة إلى الآخرين من خلال تسفيه عقائدهم أو السخرية بها أو شتم أي من رجالها وأئمتها أو انتقاصهم بالتصريح أو التلميح.. إن الإسلام لا يأذن للداعين إلى الله والمعرفين بحقائق الإسلام، أن يذهبوا في عملهم هذا مذهباً يتجاوزون فيه الجدل العلمي والمنطقي إلى الشتم أو السخرية أو الانتقاص.. فكيف يأذن لذوي الأفكار الباطلة أن يذهبوا في الانتصار لأفكارهم مذهباً يستبدلون فيه بالحوار المنطقي طريقة الشتم أو السخرية والازدراء ؟!..

إن الذي يدافع عن الشتم وأصحابه، بحجة أن الشتم وما كان علي شاكلته، ممارسة حرية الرأي، موغل في التخلف عن أدنى درجات الحضارة والمدنية، وشارد عن فهم أبسط موازين المعاملات الإنسانية.

مسألة الأحزاب والمذاهب السياسية والاحتجاجات السلبية

ينبغي أن نعلم أن من نتائج ما قد يملكه الإنسان في ظل المجتمع الإسلامي من حرية التعبير عن الفكر والرأي والمعتقد، حرية إنشاء الجماعة التي تنادي بفكرة ما أو مذهب ما، إذ إن كل ما هو حق للفرد، لا بد أن يكون حقاً للجماعة وإلا وقع الخلف والتناقض.

وعليه، فلن نجد في الشرع الإسلامي ـ بعد أن أعطي حق التعبير عن رأيه ومعتقده ـ ما يمنع من اجتماع عدة أفراد على تكوين حزب أو جماعة ذات نهج فكري أو سياسي. ولكن على أن لا ننسى أن على رجال الدولة الإسلامية وعلماء الشريعة الإسلامية وحراسها، أن يقفوا في طريق الباطل من الرأي والفكر العلمي أو السياسي بالمجادلة والمحاجة اللتين تبرزان وتميزان الحق من الباطل على رؤوس الأشهاد على نحو ما كان يفعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.

إن حق إنشاء جماعة ما ذات نهج سياسي أو ثقافي، ليس شيئاً أكثر من حق تمتع الأفراد بالتعبير عما يجيش في أذهانهم وخواطرهم من رؤى واجتهادات وأفكـار. والأصل في الأشياء كلها الإباحة، مالم ينهض الدليل على الحرمة.

غير أن هذه المسألة تأخذ منحى آخر، عندما يتبين أن نشأة الحزب أو الجماعة، موصولة بعامل خارجي يتمثل في أصابع أو خطط أجنبية.. ذلك لأن الأمر يخرج عن الموضوع الذي نحن بصدده، وهو حق الفرد في التعبير عن مذهبه ومعتقده، إلى موضوع آخر مختلف كل الاختلاف، ألا وهو : حق العدو الأجنبي في أن يصطفي من المسلمين جنداً أو عملاء له، يأمرهم فيأتمرون، ويخطط لهم فينفذون، تحت اسم حق التعبير عن الرأي وحق إنشاء حزب أو جماعة !.. إن من البداهة بمكان أن العدو لا يملك هذا الحق، وأن الذين يصطفيهم من العملاء والمستأجرين لا يملكون أي حق في خدمة العدو تحت اسم وهمي من حرية الرأي والفكر والعقيدة.

ولعل خير مثال ودليل بآن واحد، موقف الشارع جلّ جلاله من تلك الثلة التي كانت تتحرك في المدينة المنورة مرتبطة بتعاليم تتلقاها من أبي عامر الراهب الذي فرّ إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي "ص"، ووعده هرقل خيــراً. فأرسل إلى جماعة في المدينة يعدهم ويمنيهم وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يتخذ نقطة لقاء بينهم وبين كتبه ورسله. فشرعوا في بناء هذا المعقل وجعلوه مسجداً أقيم على ضاحية من ضواحي المدينة. وجاؤوا يسألون رسول الله أن يأتي إليهم فيصلي في مسجـــدهم ذاك ليـحتجوا بذلك علـى تقـريره وإثـباته. فأنـزل اللـه عـز وجـل قـوله : { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفُن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين }(17).

فبعث رسول الله إلى ذلك المسجد من هدمه، وتعقب القائمين على شأنه بالنكال(18).

كان في المدينة، كما نعلم، منافقون، وكانوا يمارسون حرياتهم وأنشطتهم علانية، لا سيما رئيسهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، ولم يكن يبالي بهم رسول الله "ص".. ولكن لما تميز هذا العمل عما كان يفعله عامة المنافقين بظاهرة الارتباط بخط أجنبي ودافع عدواني خارجي، اختلف الموقف كما قد رأينا، ولم تعد لحرية الرأي والسلوك في هذه الحال قدسيتها.. فلقد تحولت لتصبح أداة في يد العدو الأجنبي.

إذن فإقامة الجماعات والأحزاب السياسية، تخضع لهذا التفصيل، ولا أظن أن ثمة خلافاً بين مذاهب المسلمين في ذلك.

ولا أظن أن فينا من يجهل أن القوى العالمية الكبرى التي تحلم بقيادة النظام العالمي الحديث اليوم، تحاول جاهدة أن تتخذ من الجماعات المذهبية والأحزاب السياسية التي تنشط في العالم الإسلامي والعربي، النافذة الأولى التي تطمع أن تخترق من خلالها ذاتية هذه الأمة، لتخرجها من نهجها القويم الذي كان ولا يزال مبعث قوتها وسّر حيويتها، وتسيّرها ضمن نظامها المصلحي حيث تشاء.

لذا فإن مراقبة الدول العربية والإسلامية بعين ساهرة، لنشأة هذه الجماعات والأحزاب، وكيفيـة تحرّكها، لا يتعـارض مع حقوق رجــال هـذه الجماعـات في أن يتمتعوا بما يشاؤون من الأنشطة الاجتماعية والسياسية، وأن يعبروا عن قناعاتهم ووجهات نظرهم كما يشاؤون. بل إن حماية حقوقهم هذه من الاختراقات المتنوعة المحتملة، تتطلب بحقٍ هذه المراقبة، كما تتطلب ضبط هذه الاختراقات، كلما وجدت، ومعالجتها بالسبل الحكيمة الممكنة.

ولعل من الأهمية بمكان أن نعلم أن هذا الواجب يدخل في الأحكام الكثيرة التي لا نعلم فيها خلافاً بل ما ينبغي أن يكون فيها أي خلاف، إذ إن حماية الدولة والأمة من الدسائس والتجسسات الأجنبية من أخطر الواجبات الكبرى التي يتحمل مسؤوليتها أولياء أمر المسلمين.

بقي أن نتساءل عن موقف الشريعة الإسلامية من الاحتجاجات السلبية كالإضراب عن القيام بالوظائف والواجبات الموكلة إلى أفراد الناس أو فئاتهم.. وهي من الأساليب الحديثة التي أفرزتها الديمقراطية الغربية.

إن علينا قبل كل شيء أن نعلم أن هذه الاحتجاجات لا تدخل فيما نحن بصدد الحديث عنه وبيان حكمه وهو حرية التعبير عن الرأي.. بل هو أبعد ما يكون عن ذلك. إنه ـ كما تدل عليه الكلمة المصطلح عليها (احتجاج) ـ لون من التمرد على القيام بالواجبات، ومن ثم فهو لون من الانتقام.. إذ إن عمليات الإضراب تنطوي على انصراف عن الوظائف التي عهد بها إلى أصحابها بموجب عقود والتزامات محــددة، والتي تدور على محور ما من مصالح الأمة. وفي ذلك من التفويت لتلك المصالح والإضرار بها ما لا يخفى على أحد.

ثم إن عمليات الإضراب، لا تتجه بالضرر على أشخاص المسؤولين الذين يفترض أن يكون الحوار معهم والتعبير عن المطالب متوجهاً إليهم، وإنما يسري الضرر منها إلى الأمة وأفرادها. فهي بالإضافة إلى كونها عمليات انتقامية، لا تنتقم من الطرف المسيء أو المفوت لحقوق المضربين، وهو رئيس الدولة مثلاً، وإنما تنتقم، من حيث يدري المضربون أو لا يدرون، ممن لا علاقة لهم بالأمر ولا يتحملون أي جريرة.

إن عمليات الإضراب التي سرت إلينا من واقع المجتمعات الغربية، ليست في حقيقتها إلا تمرداً من بعض قطاع الشعب في مقابل تمرد من بعض رجال الحكــم وأجهزته.

وكلا التمردين لا محل لهما ولا مبرر في موازين الشريعة الإسلامية. فالحاكم ينبغي أن يذهب في تحقيق مصالح الناس ورعاية حقوقهم إلى أقصى الحدود الممكنــة. والناس ينبغي أن يلتزموا واجباتهم وأن ينهضوا بـوظائفهم المـوكلة إليهــم. وليس بين هذا وذاك أي ارتباط، ومن ثم فإن التقصير في أي منهما لا ينسخ الآخر. إذ إن المتضرر هو طرف ثالث، والقاعدة الشرعية التي لا خلاف فيها تقول : لا ضرر ولا ضرار.

ومهما قصّر المسؤولون في رعاية حقوق الناس، فليس لهؤلاء الناس على طريق السعي إلى استحصال حقوقهم، إلا التعبير عن مطالبهم بالبيان والمناقشة والحوار.

غير أن هنالك إضراباً مبرراً في ميزان الشريعة الإسلامية، وهو ذاك الذي يكون نتيجة لعدم وفاء الدولة بالتزاماتها العَقْدية تجاه الطرف الآخر عند قيام هذا الطرف بوظيفة ما، على أن يكون الإضراب محصوراً في القعود عن الوظيفة التي جرى تقصير الدولة في التزاماتها العقدية تجاه الأشخاص القائمين بها.

كأن تلتزم الدولة بأجور معينة تجاه عمال أو موظفين تم التعاقد معهم على القيام بعمل ما، فلم توفّ بالتزاماتها تجاههم كلياً أو جزئياً. فإن حكم هذه المسألـــــة يدخل فيما هو مقرر في باب الإجارة، من عدم وجوب مضيّ الشخص المستأجر في عمله الذي تعاقد عليه، إن ظهر له أن المستأجر قد نكص عن التزامه وتراجع عن الالتزام بإعطاء حقه.

ولمزيد من الإيضاح نقول : إن مهمتنا في هذا البحث، هو أن نتبين حكم الشريعة في مسألة الاحتجاجات السلبية، ومن المعلوم أن المرجع لمعرفة هذا الحكم هو باب الإجارة.

ولدى الرجوع إلى هذا الباب في المصادر الفقهية نلاحظ جامعاً مشتركاً فيه بين المذاهب الفقهية المتعددة، وهو : وجوب وفاء المستأجر بكل ما التزم تجاه المستأجر، مادام هذا الثاني ملتزماً بالوفاء بالبنود التي يطالب بها والتى جرى العقد على أساس ذلك، ومن المعلوم أن العرف يلعب دوراً كبير فيما سكت عنه المتعاقدان أثناء العقد.

وانطلاقاً من هذا الجامع المشترك الذي لا أعلم خلافاً فيه، فليس للمستأجر أن يضرب عن العمل الذي التزم به بمقتضى عقد صحيح لا جهالة ولا غرر فيه، ليضغط على المستأجر ويحمله على تغيير بعض البنود التي تم الاتفاق عليها، كأن يطالب برفع الأجر أو أن يكون شريكاً في نسبة من الأرباح..

وينطبق هذا على سائر أنواع عقود الاستئجار والتوظيف والاستخدام.. إذ كلها داخلة تحت سلطان عقد الإجارة، ومن ثم لا بدّ أن ينطبق عليها حكمه(19).

وقد يكون هذا الذي أقرره، انطلاقاً مما هو معروف في باب الإجارة، مثيراً للجدل اليوم، نظراً إلى ما تقوم به النقابات اليوم من دور كبير تقره الحكومات ودوائر التوظيف كلها، لحماية حقوق الموظفين والمستأجرين والمستخدمين. ونظـراً إلـى أن قوانينها غدت محل اعتراف وربما تأييد من الطرف الآخر، ومن ثم فقد نرى من يطرح الدعوة إلى تغيير بعض ما هو مثبت أو مجمع عليه في باب الإجارة، مجارا ة للنهج الذي تنطلق منه النقابات كلها؛ وإلى دراسة إمكانية الاتفاق على بند جديد في أحكام الإجارة، استناداً إلى المصالح المستجدة، يعطي لهذه النقابات حق القيام بالاحتجاج السلبي، وفي مقدمته الإضراب عن العمل، حتى في حال عدم إخلال المستخدم أو المستأجر بشيء من التزاماته، طلباً لمزيد من المكاسب أو سعياً إلى الارتفاع إلى مستوى من هم أوفر منهم أجراً أو أقل عملاً في بلاد أخرى.

إنني لا أنكر أن هذه المسألة مثيرة للجدل.. ولكن اختراق ما هو محل اتفاق من الفقهاء في أحكام الإجارة، ماينبغي أن يستقلّ بالاجتراء عليه باحث واحد مهما كانت ملكته الفقهية واسعة ومعمقة. وإنما تكون كلمة الفصل فيها لمجموعة العلماء الباحثين، يتحاورون ويتناقشون ثم يصدرون بعد ذلك عن قرار واحد إن وفقهم الله لذلك.. ذلك هو المتفق مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم >.. فاجمعوا له العالمين<.

وبعد، فأحسب أننا لم نمرّ في شيء مما قد ذكرناه وأوضحنا حكمه، على أي مسألة خلافية بين المذاهب أو الفرق.. إن الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان لا تكاد تعثر فيها على مسألة خلافية. ذلك لأن المصدر الذي تنبثق عنه هذه الأحكام، يتمثل في المبادئ الكلية، كما لاحظنا في صدر هذا البحث. والمبادئ الكلية في دين الله عز وجل هي الجامع المشترك بين المذاهب الإسلامية كلها. وهذا مما نحمد الله عز وجل عليه في البدء والختام.
mohamed
mohamed
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 2533
تاريخ التسجيل : 22/11/2009
العمر : 22
المستوى: : 2/7
القسم : : 2/7

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Empty رد: حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية

مُساهمة من طرف FAIZ في الأحد نوفمبر 22, 2009 2:05 pm

بارك الله فيك على الموضوع القيم ...
الا ان الموضوع مكانه هو السنة الثالثة اعدادي ...
شكرا لك ...


[center]حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية 01220421674
FAIZ
FAIZ
ADMINISTRATEUR
ADMINISTRATEUR

عدد المساهمات : 3607
تاريخ التسجيل : 10/11/2009

http://www.elaarif.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية Empty رد: حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية

مُساهمة من طرف ام مريمة في الثلاثاء يوليو 06, 2010 4:52 am

جزاك الله خيرا

ام مريمة
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 2730
تاريخ التسجيل : 09/05/2010
المستوى: : استاذة
القسم : : السلك الاعدادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى